حين تتكلم الدولة بلسان واحد.. في نيويورك

المحامي ميشال فلاّح

مَن اعتاد أن يرى لبنان في المحافل الدولية دولةً مرتبكة، تتنازعها الرسائل وتسبق مواقفُ القوى السياسية موقفَ مؤسساتها، عليه أن يتوقف أمام الصورة الآتية هذه المرة من نيويورك. ففي اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يذهب لبنان ليستجدي صورة مع مسؤول دولي، ولا ليكرر خطاباً إنشائياً عن أزماته. ذهب بوفد رسمي يحمل ملفات دولة: السيادة، الانسحاب الإسرائيلي، تنفيذ القرار 1701، مستقبل الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، دعم الجيش، حصر السلاح بيد الدولة، إعادة الإعمار، الإصلاح الاقتصادي، واستعادة ثقة الخارج بلبنان ومؤسساته.
وفي قلب هذا الحضور، برز رئيس الحكومة نواف سلام بحركة سياسية ودبلوماسية يصعب اختزالها بعدد المصافحات. فبحسب اللقاءات المعلنة خلال الأيام الأولى من وجوده في نيويورك، التقى سلام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والملك الأردني عبدالله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، إضافة إلى مسؤولين أميركيين ودوليين.
العبرة ليست في العدد وحده. العبرة بمن يستقبل لبنان، وعلى أي مستوى، وبأي صفة. حين يجلس رئيس حكومة لبنان إلى أمين عام الأمم المتحدة وملك ورؤساء دول ورؤساء حكومات، فهذا يعني أن لبنان الرسمي، رغم كل ما أصابه، لم يفقد موقعه ولا القدرة على مخاطبة دوائر القرار.
والأهم أن نواف سلام لم يحمل إلى كل اجتماع «لبناناً» مختلفاً.
أمام غوتيريش، كان الكلام واضحاً حول السيادة وتنفيذ القرار 1701 ومستقبل الجنوب. والأمين العام، بدوره، رحب بالخطوات التي تتخذها الحكومة لضمان حصر السلاح بيد الدولة، وشدد على وجوب الاحترام الكامل لسيادة لبنان وسلامة أراضيه، مؤكداً التزام الأمم المتحدة المساعدة في حشد الدعم للتعافي وإعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي. ومع بيدرو سانشيز، حضرت مسألة منع الفراغ الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، ودعم الجيش اللبناني. ومع العراق حضرت الطاقة والنقل والتعاون الاقتصادي. ومع الأردن وتركيا وقطر، كان لبنان يخاطب ثقله العربي والإقليمي.
أي أن بيروت لم تأتِ إلى نيويورك بعشر رسائل لعشر عواصم. جاءت برسالة دولة واحدة، وفتحت لها أبواباً متعددة.
وإلى جانب سلام، تحرك وزير الخارجية يوسف رجي في المساحة التي يفترض أن يتحرك فيها رئيس الدبلوماسية اللبنانية: بين وزراء الخارجية وصانعي السياسة الدولية. التقى مسؤولين من مستوى وزير خارجية ألمانيا يوهان فاديفول، ووزير خارجية قبرص كونستانتينوس كومبوس، ووزير خارجية النروج إسبن بارث إيدي، وأمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين، ومسؤولين آخرين، حاملاً الملفات نفسها من زوايا مختلفة: مستقبل الوجود الدولي في الجنوب، دعم الجيش، الاستقرار، الإصلاحات، المساعدات، والطاقة والربط الكهربائي مع قبرص. وفي اللقاء مع بارولين، جدد الفاتيكان اهتمامه باستقرار لبنان ودعمه.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المشهد. رئيس الحكومة يتحرك على مستوى القادة ورؤساء الحكومات. وزير الخارجية يتحرك مع نظرائه. والمندوب الدائم للبنان لدى الأمم المتحدة، السفير أحمد عرفة، يعمل داخل المؤسسة الدولية. هذه ليست ثلاثة أصوات. هذه، كما يفترض بالدولة أن تكون، مستويات ثلاثة لصوت واحد. وقد يكون هذا أهم ما حمله الوفد اللبناني إلى نيويورك.
فالمشكلة اللبنانية لم تكن يوماً في نقص اللبنانيين القادرين على مخاطبة العالم، بل في أن العالم كان يسأل أحياناً: أي لبنان نخاطب؟ لبنان الحكومة؟ لبنان الأحزاب؟ لبنان السلاح؟ أم لبنان المؤسسات؟
في نيويورك، جاءت الإجابة أكثر وضوحاً: عندما يتعلق الأمر بالعلاقات بين الدول، عنوان لبنان هو الدولة اللبنانية.
ولهذا أيضاً تكتسب صورة سلام ورجي وعرفة معاً معناها السياسي والمؤسساتي. ليس لأن أعضاء الوفد ينتمون إلى لون سياسي واحد ــ وهم لا يفعلون ــ بل لأنهم، حين يعبرون باب الأمم المتحدة، لا يفترض أن يمثلوا طوائفهم ولا أحزابهم ولا مناطقهم. إنهم يمثلون الجمهورية اللبنانية.
وهذا هو معنى أن يمثل الوفد لبنان، كل لبنان: لا أن يكون اللبنانيون جميعاً متفقين معه سياسياً، فهذا لم يحدث ولن يحدث في مجتمع تعددي، بل أن تكون شرعيته مستمدة من المؤسسات الدستورية لا من موازين القوى خارجها. حتى لقاءات الجالية اللبنانية حملت دلالة مختلفة. سلام لم يقدم المغترب اللبناني باعتباره مجرد مصدر للتحويلات، بل شريكاً في إعادة بناء الاقتصاد، بخبرته وعلاقاته واستثماراته، مقابل دولة عليها أن تبني المؤسسات والضمانات التي تستعيد ثقته.
إنها، في النهاية، ليست قصة نجاح تُعلن قبل ظهور النتائج. فالسياسة الخارجية تُقاس بما تحققه، لا بعدد الصور في أروقة الأمم المتحدة. لكن ثمة حقيقة يصعب تجاهلها: لبنان حضر هذه المرة إلى نيويورك بوجه دولة، لا بصورة ساحة.
والفارق هائل.