المحامي ميشال فلاّح
أعاد رئيس الحكومة نواف سلام، من مجلس النواب، سؤالاً قديماً إلى قلب النقاش اللبناني: مَن يملك حق التفاوض باسم لبنان؟ فحين أكد أن الدولة وحدها تقود المفاوضات مع إسرائيل، وأن المسار يستند إلى المادة 52 من الدستور، لم يعد السؤال سياسياً فقط، بل أصبح دستورياً بامتياز: مَن يقرر التفاوض؟ مَن يتولاه؟ مَن يبرم الاتفاق؟ ومتى يصبح ما تم التوصل إليه ملزماً للجمهورية اللبنانية؟
الإجابة الأولى تبدو سهلة. فالمادة 52 من الدستور اللبناني أناطت برئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها، ولكنها أضافت عبارة حاسمة: «بالاتفاق مع رئيس الحكومة». كما اشترطت موافقة مجلس الوزراء لكي تصبح المعاهدات مبرمة، وأخضعت فئات معينة منها لموافقة مجلس النواب.
إلا أن هذه المادة لا ينبغي قراءتها منفردة عن النظام الدستوري الذي أنتجه اتفاق الطائف. فلبنان لم يعد أمام سلطة تنفيذية يتمركز قرارها في رئاسة الجمهورية، بل أمام سلطة إجرائية أناطها الدستور بمجلس الوزراء، ضمن توازن دقيق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والحكومة مجتمعة.
التفاوض ليس الإبرام
أول ما ينبغي تمييزه قانوناً هو أن التفاوض لا يعني إبرام الاتفاق، والإبرام لا يعني دائماً نفاذه. إذ يمكن للدولة أن ترسل دبلوماسياً أو عسكرياً أو خبيراً مدنياً إلى طاولة المفاوضات. لكن هذا الشخص لا يصبح، بفعل جلوسه إلى الطاولة، صاحب الاختصاص الدستوري. إنه مفاوض باسم الدولة لا صاحب سلطة الدولة. تفويضه يستمد مشروعيته من المؤسسات الدستورية، ولا يستطيع أن ينشئ لنفسه صلاحية مستقلة عنها.
وهنا تكمن أهمية المادة 52. رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة، ولكن بالاتفاق مع رئيس الحكومة. أما النتيجة فلا تتحول إلى التزام نهائي بمجرد مصافحة المفاوضين أو إعلان تفاهم سياسي، لأن مجلس الوزراء يدخل دستورياً في مرحلة الإبرام، وقد يدخل مجلس النواب أيضاً بحسب طبيعة الاتفاق.
وبالتالي، لا يستطيع رئيس الجمهورية منفرداً إلزام لبنان، ولا رئيس الحكومة منفرداً، ولا يستطيع مجلس الوزراء إلغاء الدور الذي خصّ به الدستور رئيس الجمهورية. إنها، بتعبير أدق، صلاحية مركّبة وليست صلاحية أحادية.
وماذا لو سمّيناه «تفاهمًا» لا معاهدة؟
هنا تبدأ الإشكالية. فالدول الحديثة لا تضع كل تفاهماتها الدولية تحت عنوان «معاهدة». ثمة اتفاقات إطار، وترتيبات أمنية، ومذكرات تفاهم، واتفاقات تنفيذية وآليات مشتركة. فهل يكفي تغيير الاسم لتجاوز المادة 52؟
المنطق الدستوري يقول إن العبرة بالمضمون والآثار القانونية لا بالتسمية. فإذا كان الاتفاق ينشئ التزامات دولية على لبنان، أو يرتب عليه واجبات مستمرة، أو يمس سيادته أو حدوده أو أمنه، يصبح من الصعب دستورياً إخراجه من الضوابط المقررة للالتزامات الدولية بمجرد إطلاق تسمية مختلفة عليه. وتزداد المسألة حساسية عندما تكون الجهة المقابلة إسرائيل، وعندما تتصل المفاوضات بالحرب والانسحاب والأمن والحدود. عندئذ لا تعود المسألة إجراءً دبلوماسياً عادياً، بل تلامس في جوهرها أعلى مظاهر السيادة.
ماذا تفعل الديمقراطيات الأخرى؟
المقارنة مفيدة لأنها تكشف أن توزيع سلطة التفاوض ليس خصوصية لبنانية.
في فرنسا، وهي من المصادر التاريخية المهمة للنظام الدستوري اللبناني، تنص المادة 52 من دستور الجمهورية الخامسة على أن رئيس الجمهورية يفاوض في المعاهدات ويصدق عليها. لكن المادة 53 تشترط موافقة البرلمان بقانون على فئات بالغة الأهمية، بينها معاهدات السلام والتجارة والاتفاقات التي ترتب أعباء مالية على الدولة أو تتعلق بأراضيها. أي إن قيادة السلطة التنفيذية للعلاقات الخارجية لا تعني احتكارها إنتاج الالتزام الدولي.
وفي الولايات المتحدة يبدو الفصل أوضح. الرئيس والسلطة التنفيذية يقودان عملية التفاوض، لكن المعاهدات وفق المادة الثانية من الدستور تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين. وقد تطورت، في المقابل، ممارسة «الاتفاقات التنفيذية» التي لا تمر بالطريق نفسه، وهو ما أنتج بدوره نقاشاً دستورياً مستمراً حول الحدود بين مرونة السياسة الخارجية ورقابة السلطة التشريعية.
أما ألمانيا، فتعكس نموذجاً أكثر برلمانياً. فرئيس الجمهورية الاتحادية يمثل الدولة في القانون الدولي ويبرم المعاهدات باسمها، لكن المعاهدات التي تنظم العلاقات السياسية للاتحاد أو تتناول مسائل تدخل في نطاق التشريع الاتحادي تحتاج إلى مشاركة الهيئات التشريعية المختصة في صورة قانون اتحادي.
القاسم المشترك بين هذه التجارب واضح، كلما ارتفعت خطورة الالتزام الدولي، ضاق هامش القرار الفردي واتسعت دائرة المشاركة الدستورية.
أين مجلس النواب اللبناني؟
ليس مجلس النواب مفاوضاً، ولا يجوز أن يتحول إلى غرفة لإدارة الدبلوماسية اليومية. لكنه ليس غائباً أيضاً. فالمادة 52 نفسها تقرر أن المعاهدات التي تتضمن شروطاً تتعلق بمالية الدولة، والمعاهدات التجارية، وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، لا يمكن إبرامها نهائياً إلا بعد موافقته. وهنا يظهر السؤال الذي قد يصبح الأكثر أهمية إذا أنتجت المفاوضات الحالية اتفاقاً: ما طبيعته القانونية؟
فإذا كان مجرد ترتيب تنفيذي محدود ومؤقت، يختلف الوضع عن اتفاق دائم يعيد تنظيم مسائل أمنية أو حدودية أو يرتب التزامات طويلة الأمد. ولذلك ينبغي ألا يكون الجدل حول اسم الوثيقة، بل حول مضمونها ومدتها والالتزامات التي تنشئها.
الدستور قبل السياسة
التفاوض في ذاته ليس اعترافاً بالهزيمة، كما أن رفضه ليس دليلاً تلقائياً على السيادة. تلك أحكام سياسية. أما القانون الدستوري فيطرح سؤالاً مختلفاً: هل تفاوضت الدولة وفق الآليات التي تمنح إرادتها الشرعية؟
وهذا هو جوهر المسألة اللبنانية اليوم. ففي دولة تعيش انقسامات عميقة حول الحرب والسلم والعلاقة بإسرائيل، تصبح الأصول الدستورية أكثر أهمية، لا أقل. لأن وظيفة الدستور تظهر تحديداً عندما تختلف القوى السياسية، لا عندما تتفق. ومن هنا يمكن اختصار المادة 52 بمعادلة بسيطة. رئيس الجمهورية يقود المسار الدستوري للتفاوض بالاتفاق مع رئيس الحكومة، مجلس الوزراء شريك لازم في الإبرام، ومجلس النواب يدخل حيث يفرض الدستور موافقته. أما المفاوض، أياً كانت صفته، فهو يحمل تفويض الدولة ولا يحل محلها.
لذلك، إذا وصلت المفاوضات يوماً إلى ورقة نهائية، فلن يكون السؤال الأهم مَن جلس قبالة الإسرائيليين؟ بل مَن فوّض، وماذا تم الاتفاق عليه، ومَن وافق، وهل سلك الالتزام الطريق الدستوري الذي يسمح لأحد بأن يقول فعلاً: لقد وافق لبنان؟
في الدول، قد يبدأ الاتفاق حول طاولة صغيرة. لكن الشرعية لا تولد على الطاولة. الشرعية يمنحها الدستور.


