ليس كل شيء على ما يرام…والحل؟ جوزف القصيفي
لا شيء في لبنان يدعو إلى الاطمئنان. ومن يعاين الوقائع التي تمثل فصولا على أرضه سياسيا، عسكريا، أمنيا، قضائيا وإقتصاديا، يتبين له في صورة لا تحتمل اي تفسير،أن امورا كثيرة تدار من بعد تنفيذا لاجندات تتصل بالصراعات الدولية والاقليمية الدائرة في المنطقة التي وجدت في لبنان- كما كان الأمر منذ العام ١٨٤١، تاريخ فتنة الجبل الاولى- مستقرا، ساحة، ومنصة. وليس أدل من ذلك ما حصل في مجلس النواب لدى مثول الحكومة أمامه في جلسة مناقشة عامة لسياستها. ” فش” النواب ” خلقهم”، وانتقدوا اداءها، واظهروا مواطن الخطأ في معالجتها للامور الحياتية، والمالية، والإدارية، حتى أن ” المضبطة” التي سطروها في خطبهم ومداخلاتهم حملت المراقبين على الاعتقاد بأن ما من سبب لبقائها، وأن الأجدى سحب الثقة منها، أو تقديم إستقالتها. فلا هذا حصل ولا ذاك. وكان واضحا أن ما خطف الاضواء في اليوم الثاني للجلسة هو هذا السجال الساخن، بل الناري بين نواب ” حزب الله ” ومنتقدي الحزب ، والذي فاق كل التوقعات. بل عد سابقة في تاريخ الجلسات النيابية منذ الاستقلال إلى اليوم. وثمة من رأى فيها تنفيسا للاحتقان تحت قبة ” البرلمان” ، بدلا من أن تكون المواجهة خارجه. لكن اللبنانيين تلقوا ما شاهدوا عبر الشاشات بذهول، ولم يكتموا مخاوفهم من أن يؤسس هذا المشهد لتطور سلبي لا حصر لتداعياته. ولكن – مهما يكن من أمر- فالحكومة باقية ، وهي ” مفروضة” مثلما أنزلت ب” الباراشوت” منذ إبصارها النور على النحو الذي تم فيه. انطلاقا مما تقدم ، من العبث أن يحصل اي تبديل أو تغيير على المستوى الحكومي، حتى التعديل الجزئي الذي – كما روج- يفترض أن يطاول بعض الوزراء ممنوع، برغم مما تتداوله الكواليس عن تجاذبات و” مناكفات” من تحت الطاولة بين أركان الحكم. كل ذلك يجري والبلاد في تدهور إقتصادي كبير، وانحدار في نوعية الحياة، وارتفاع في نسبة الفقر، بل في نسبة من أصبحوا تحت خط الفقر، وسط عجز حكومي فاضح في إحتواء الازمات ووضع الحلول لبدء الخروج منها. ويكاد يجمع الخبراء أن ما تعد به الحكومة، وما تخطط لقيامه تحت عنوان :” النهوض الاقتصادي” ليس قابلا للتطبيق. وهي لا تزال تتخبط لليوم في موضوعي الكهرباء والوقود. وذلك من دون تبني طروحات هذا الفريق أو ذاك ، وارقامه. ف” الشمس شارقه، والناس قاشعه.” إن لبنان الذي لا يستطيع أن يتنفس الا برئتين، ويسير إلا عل على قدمين، لا يمكن أن ينحاز كليا إلى معسكر دون آلاخر، لأن مثل هذا الانحياز في اي اتجاه لم يجر عليه ألا الاحداث والكوارث. وهناك أمثلة كثيرة من التاريخ القريب تؤكد هذا الاعتقاد، وما يخشاه المراقبون هو أن يؤدي وضع كل ” بيضه” في سلة واحدة مدرجة لمشكلات لن يطول الامر حتى تذر بقرنها مثيرة التوتر وربما اكثر. إن هذا الواقع يفرض بحسب ما يرى سياسي مخضرم التفكير بإطلاق حوار داخلي ، وتجاوز كل المعوقات التي كانت تحول دونه من أجل بناء قاعدة استقرار، ولو في الحد الادنى، تستطيع إمتصاص ما أمكن من السلبيات والحساسيات الولادة للفتن، للوصول إلى عقد وطني جديد إنطلاقا من المباديء الميثاقية التي رسمها الطائف، مخافة بلوغ مرحلة يصبح فيها تجاوز هذا الاتفاق أمرا لا مفر منه. بالامس القريب كان يجتنب المسؤولون الدعوة إلى مؤتمر وطني، وذريعتهم أن ” حزب الله” في ذروة قوته السياسية والميدانية، وأن نتائج هذه المؤتمر قد تكون لمصلحته. ولكن الوضع مختلف اليوم، بعد التطورات العسكرية والسياسية، وهو يساعد على نتائج متوازنة ومنطقية. وهناك قوى سياسية وازنة مسيحية واسلامية تشجع على انعقاد مثل هذا المؤتمر. وأن مجرد انعقاده هو خطوة إيجابية ولو كانت النتائج متواضعة. فابقاء الوضع منفلتا على هذه الشاكلة، يعني أن البلاد تسير حثيثا إلى انفجار لا يمكن التكهن بمداه. ولكن يبدو أن ليس في اليد حيلة. هكذا يوحي المسؤولون من خلال تصرفهم، وتصريحاتهم، واجوبتهم . إن المشهد العام في لبنان لا يشي بالارتياح، وهو مفتوح على اي تطور اكثر سلبية، لأن أبواب الانفراج لا تزال مستغلقة حتى الساعة: إسرائيل تواصل قتلها الناس وقصفها وجرفها، وواشنطن لا تقوم بردعها الا في ما ندر، ولا تزال العراقيل تمنع على مؤتمر باريس لدعم الجيش الحصول على مساعدات مهمة، التباعد السياسي يتسع يوما بعد يوم والخلاف مع المكون الشيعي يمتد رغم محاولات إيحاء العكس، البنزين ” يولع” الأسعار والكهرباء تستنزف الجيوب وتصيب القدرات الانتاجية- أو ما تبقى منها- في المكامن الموجعة. فهل نستطيع القول – بعد كل ذلك-” كل شيء على ما يرام يا سيدتي المركيزة” . لا ليس كل شيء على ما يرام.


