لمياء المبيّض لخرّيجي جامعة القديس يوسف: لبنان لا يحتاج فقط إلى الكفاءات بل إلى قلوب شجاعة تؤمن بالدولة وترفض الاستسلام للتشاؤم

دَعَت رئيسة معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، لمياء المبيّض بساط مساء الخميس خرّيجي جامعة القديس يوسف إلى التحلّي بـ”الشجاعة الأخلاقية وروح الخدمة العامة والتمسّك بسيادة القانون”، مؤكدة أن “لبنان لا يحتاج فقط إلى الكفاءات من أصحاب السير الذاتية المتميزة”، بل إلى “قلوب شجاعة” تؤمن بالدولة وترفض الاستسلام “للتشاؤم”.
جاء ذلك في الكلمة التي ألقتها مساء الخميس بصفتها ضيفة الشرف في احتفال أقيم في حرم العلوم والتكنولوجيا التابع للجامعة في مار روكز، بحضور مسؤولي إدارة الجامعة وأساتذتها، لمناسبة توزيع الشهادات على 580 خرّيجا لكلية الحقوق والعلوم السياسية ومعهد العلوم السياسية وكليتي العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال والعلم الإداري ومعهد إدارة الأعمال والمعهد العالي لعلوم التأمين.


استهلّت بساط كلمتها بتوجيه التحية إلى أهالي الخرّيجين، معتبرة أن الاحتفال لا يكرّم الطلاب فحسب، بل يحتفي أيضاً “ببطولة صامتة” جسّدها الآباء والأمهات الذين واصلوا الاستثمار في تعليم أبنائهم رغم الانهيار المالي والحروب والأزمات. وقالت: “حين فقد كل شيء تقريباً قيمته، بقي إيمانكم بالتعليم هو الثابت الوحيد”.
وأضافت مخاطبة الخريجين: “تتسلمون اليوم شهادتكم في بلدٍ يُحرم فيه نحو ثلث الأولاد في سن الدراسة من التعليم المنتظم (…) وهذا امتياز يرتّب عليكم مسؤولية”.
وقالت: “خلال مسيرتي المهنية (…) سعيتُ مع زملائي إلى جعل معهد باسل فليحان في منأى عن الضغوط السياسية، لا يُعتدّ فيه إلا بالكفاءة والنزاهة وخدمة الصالح العام، وأضافت: “لم يكن ذلك الطريق الأسهل، لكنه كان الطريق الصحيح”
وشددت على أن “بناء أي بلد لا يتحقق بالخطط والقوانين والموازنات وحدها، بل بفضل رجال ونساء يرفضون الاستسلام للتشاؤم، مضيفة أنّ: “الدول لا تُحترم لصغر مساحتها أو كبرها، بل لقوة مؤسساتها، وكفاءة مواطنيها، وقدرتهم على الابتكار بدل الاستسلام”. واعتبرت أن “ما يصنع خلاص الدول ليس أذكى الناس أو أوسعهم ثراء، بل أكثرهم شجاعًة”.


وأضافت: “أرى فيكم وعداً بالمستقبل. أنتم جيلٌ اختبر مصاعب قلّما عرفها أقرانكم في العالم، تدخلون الحياة المهنية في وقتٍ تُشهد منطقتنا ويلات الحروب والانقسامات وتزايد الدعوات إلى الانغلاق خلف الانتماءات الضيقة”.
ورأت أن “جامعة القديس يوسف يجب أن تبقى، أكثر من أي وقت مضى، في طليعة الجامعات التي ترسّخ قيم المواطَنة والوحدة الوطنية وسيادة القانون”.


وفي معرض حديثها عن السيادة، شددت على أنها ” لا تقتصر على احتكار الدولة لقراري الحرب والسلم، بل هي أيضاً مسؤولية كلّ مواطن”. وهي تبدأ عندما يختار المجتمع دولة القانون على التعسف (…)، والانضباط والمسؤولية المالية على التهور في الانفاق، والجدارة على الولاء الأعمى. وتُقاس السيادة أيضًا بقدرتنا على حماية تراثنا الوطنيّ وتاريخنا المشترك، والتزامنا الدفاع عن قيم الحقّ والإنسانية “.
وقالت “إن التعافي يبدأ بقاضٍ يقاوم الضغوط، وموظف حكومي يرفض تنفيذ تعليمات مخالفة للقانون، ورجل أعمال يمتنع عن الحصول على امتياز غير مستحق، وصحافي يرفض غضّ الطرف، ومواطن يرفض الغش والفساد، حتى عندما تصبح أموراً عاديّة، وهذه أوجه أخرى للسيادة”.
وأبرزت أن “هذه المعارك (…) لا تُحسم نهائيًا أبدًا، فكل جيل مدعو إلى خوضها، وهي الآن معارككم”.
وفي ختام كلمتها، وجّهت المبيّض إلى الخرّيجين سلسلة من الرسائل، دعتهم فيها إلى أن يقولوا “لا”: “قولوا لا للتميز دون ضمير، فالمهارات تفتح الأبواب، والنزاهة تفتح المستقبل. وقولوا لا للأوهام، وانظروا إلى بلدكم والعالم من خلال الأرقام والبيانات، لا من خلال الروايات المطمئنة. وارفضوا الاستسلام، ولا تدعوا أحدًا يقنعكم بأن الظلم أو عدم المساواة أمر لا مفر منه، فالمجتمع الذي يتسامح مع أربعة من كل خمسة أشخاص يعيشون في فقر، ينتهي به المطاف دائمًا إلى إضعاف ديمقراطيته واقتصاده وسلامه الاجتماعي. ولا تقبلوا بالرخاء السطحي، فأنتم تنتمون إلى جيل قادر على الإنتاج أكثر مما يستهلك، لذا ابتكروا. وقولوا لا للخوارزميات التي تفكر نيابةً عنكم، واجعلوا الذكاء الاصطناعي أداةً للتحسين، لا بديلًا مِن حكمكم أو إنسانيتكم. وقولوا لا للكراهية وسياسات الهوية. ارفضوا التعريف عنكم بدينكم لا كمواطنين”.
وفي المقابل حضّت الخريجين على أن يقولوا “نعم للشجاعة، شجاعة الدفاع عن الحق حتى عندما يكون الثمن مرتفعًا، ونعم للدولة، لأن الأوطان لا تنهض إلا عندما يقبل أفضل أبنائها أن يخدموها، ونعم للبنان، ليس لأنه بلد مثالي، بل لأنه الوحيد الذي يمكن أن تتحول فيه نجاحاتكم الفردية إلى نجاحٍ لأمةٍ بأكملها”.
وختمت رسالتها بالقول: “قولوا نعم للحياة. وأينما حملتكم الأقدار، اختاروا أن تكونوا، كما دعانا البابا فرنسيس، بناة جسور وصنّاع سلام عادل، في عالم أنهكته الجدران والانقسامات والظلم.”