بين السيادة والوصاية: لماذا أخطأت طهران في مهاجمة الرئيس جوزاف عون؟


عصام شلهوب – وجوه واحداث
في خضم التعقيدات الإقليمية التي تحيط بلبنان، جاءت الحملة الإيرانية على رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون عقب مقابلته مع شبكة CNN الأميركية لتثير أسئلة تتجاوز مضمون التصريحات نفسها، لتطال جوهر العلاقة التي يفترض أن تحكم أي دولة ذات سيادة بعلاقاتها الخارجية.

فحين ينتقد مسؤول إيراني كلام رئيس دولة مستقلة لأنه عبّر عن موقف ينسجم مع مفهوم الدولة اللبنانية وسيادتها، يصبح النقاش أبعد من مجرد اختلاف سياسي، ويتحول إلى إشكالية تتعلق بحدود النفوذ الخارجي واحترام استقلال القرار الوطني.

في مقابلته مع CNN، اعتبر الرئيس عون أن لبنان لا يجوز أن يكون “ورقة تفاوض” أو “ساحة رسائل” في الصراعات الإقليمية، منتقداً استخدام الساحة اللبنانية لخدمة أجندات خارجية. كما شدد على أن اللبنانيين سئموا الحروب المتكررة التي تدفع البلاد أثمانها البشرية والاقتصادية، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة اللبنانية وحدها.

هذه المواقف ليست جديدة في الخطاب الرسمي اللبناني، بل تنسجم مع ما أعلنه عون منذ انتخابه رئيساً للجمهورية حول حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

جاء رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي منتقداً تصريحات الرئيس اللبناني ومعتبراً أنها لا تعكس حقيقة العلاقة بين طهران ولبنان. غير أن جوهر المشكلة لا يكمن في الاختلاف على الوقائع، بل في أن الرد الإيراني أوحى وكأن طهران تمنح نفسها حق محاسبة رئيس دولة مستقلة على توصيفه لمصالح بلاده.

فالسيادة ليست شعاراً يُرفع عندما يخدم المصالح السياسية ويُهمل عندما يتعارض معها. وإذا كانت إيران تؤكد باستمرار احترامها لسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فإن احترام هذا المبدأ يقتضي الاعتراف الكامل بحق رئيس الجمهورية اللبنانية في تحديد أولويات بلاده والتعبير عنها دون وصاية أو ضغوط.

منذ عقود، كان لبنان واحداً من أكثر البلدان تأثراً بالتجاذبات الإقليمية والدولية. وقد أثبتت التجارب المتتالية أن تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة مواجهة بالوكالة لم يحقق استقراراً دائماً، بل أدى إلى خسائر بشرية واقتصادية هائلة وتراجع الاستثمار وهجرة الكفاءات واستنزاف مؤسسات الدولة.

لذلك فإن مطالبة رئيس الجمهورية بتحييد لبنان عن صراعات الآخرين ليست موقفاً عدائياً تجاه أي دولة، بل تعبير عن مسؤولية دستورية تجاه شعب عانى طويلاً من الحروب والأزمات. وقد أظهرت استطلاعات ومواقف سياسية وشعبية متزايدة خلال الأشهر الأخيرة مطالبة واضحة بحصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية ومؤسساتها.

أحد أبرز ما أثار الجدل في حديث الرئيس عون كان قوله إن لبنان لا يجب أن يكون جزءاً من أوراق التفاوض بين إيران والولايات المتحدة. والحقيقة أن هذا الموقف يعكس منطق الدولة الحديثة: فمصالح اللبنانيين يجب أن تُبنى على أولوياتهم الوطنية، لا على حسابات القوى الإقليمية مهما كانت طبيعة العلاقة معها.

إن تحويل لبنان إلى ساحة نفوذ أو منصة ضغط متبادل بين القوى الخارجية لم يؤدِّ تاريخياً إلا إلى إضعاف الدولة وتعميق الانقسامات الداخلية. ومن هنا فإن رفض هذا الواقع لا يشكل استهدافاً لإيران بقدر ما يشكل دفاعاً عن حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

قد يختلف اللبنانيون حول بعض مواقف الرئيس جوزاف عون أو حول أسلوب مقاربته للملفات الحساسة، لكن من الصعب الاعتراض على مبدأ أساسي يتمثل في أن رئيس الجمهورية يملك الحق الكامل في الدفاع عن سيادة بلاده واستقلال قرارها الوطني.

أما الهجوم الإيراني على هذه المواقف، فيبدو وكأنه يعيد إحياء صورة الوصاية التي يرفضها اللبنانيون أياً كان مصدرها. فلبنان الذي دفع أثماناً باهظة نتيجة صراعات الآخرين يحتاج اليوم إلى دعم سيادته لا إلى التشكيك بها، وإلى احترام قراره الوطني لا إلى محاسبته عليه.