لبنان بين التسوية والانفجار…وإسرائيل ترفع سقف النار


عصام شلهوب – وجوه واحداث
يقف لبنان اليوم عند واحدة من أخطر المراحل منذ سنوات، حيث تتداخل التسويات الإقليمية المحتملة مع تصعيد عسكري متسارع على الجبهة الجنوبية، في وقت يرزح فيه الداخل اللبناني تحت ضغط اقتصادي ومالي غير مسبوق. وبينما تتحرك الدبلوماسية الدولية لمنع الانفجار الكبير، تبدو الميدانيات وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس تماماً.

في الساعات الأخيرة، تصاعدت التحذيرات الإسرائيلية بصورة لافتة، وسط حديث متزايد داخل المؤسسة العسكرية في إسرائيل عن توسيع العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، وعدم الاكتفاء بسياسة الاحتواء السابقة. التقارير الإسرائيلية والغربية تحدثت عن نقاشات تتعلق بتعميق الضربات، وتوسيع نطاق التوغلات المحدودة، واستهداف البنية المرتبطة بالمسيّرات والصواريخ، في ظل قناعة إسرائيلية متنامية بأن الجبهة الشمالية تحولت إلى مصدر استنزاف طويل الأمد.

هذا التصعيد لا ينفصل عن المناخ الإقليمي الأوسع. فإسرائيل تدرك أن أي تفاهم أميركي ـ إيراني محتمل قد يفرض لاحقاً تهدئة شاملة في لبنان، وهو ما يدفعها إلى محاولة تحسين شروطها الميدانية والسياسية قبل الوصول إلى أي تسوية. كما أن حكومة Benjamin Netanyahu تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب استمرار التوتر في الشمال وتعثر إعادة المستوطنين، ما يجعل التصعيد خياراً مطروحاً لإظهار قدرة الردع والسيطرة.

في المقابل، يتحرك المجتمع الدولي بسرعة لمنع انزلاق الأمور نحو حرب شاملة. الاتصالات الأميركية والفرنسية والخليجية تركز حالياً على تثبيت قواعد تهدئة طويلة الأمد، تشمل تعزيز دور الجيش اللبناني، وضبط الحدود، وربط أي دعم اقتصادي للبنان بإصلاحات سياسية وأمنية ومالية واضحة.

لكن المشكلة الأساسية أن لبنان يقف اليوم في قلب الاشتباك الإقليمي. فكل تطور بين إيران والولايات المتحدة أو بين إسرائيل ومحور المقاومة ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. ولذلك لم تعد الأزمة اللبنانية محصورة بالاقتصاد أو السياسة الداخلية، بل أصبحت جزءاً من إعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها.

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر قتامة. التوتر الأمني بدأ يضغط بقوة على الأسواق والاستثمارات والتحويلات المالية، خصوصاً تلك القادمة من دول الخليج، والتي تشكل أحد أهم مصادر الدولار للبنان. كما تتزايد المخاوف من دخول البلاد في مرحلة انكماش أعمق إذا استمر التصعيد أو توسعت العمليات العسكرية جنوباً.

وفي موازاة ذلك، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات إلى إعادة فتح قنوات التواصل الإقليمي، سواء عبر الانفتاح اللبناني على سوريا أو عبر الحراك العربي والدولي تجاه بيروت، في محاولة لمنع انهيار الدولة اللبنانية بالكامل. إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بنتيجة المواجهة الكبرى الدائرة في المنطقة.

وعليه، يبدو لبنان اليوم عالقاً بين مسارين متناقضين:
إما الذهاب نحو تهدئة تدريجية تفتح الباب أمام تسويات سياسية واقتصادية وأمنية، وإما الانزلاق نحو مرحلة أكثر خطورة إذا خرج التصعيد العسكري عن السيطرة.

ولهذا تحديداً، تبدو الأيام المقبلة مفصلية، لأن المنطقة كلها تتحرك على حافة تسوية كبرى… أو انفجار كبير.