13نيسان 1975: يوم انطلقت رصاصة غيّرت مسار لبنان (عصام شلهوب)



انطلقت رصاصة واحدة في عين الرمانة ببيروت يوم 13 نيسان 1975، لتفتح أبواب جحيم دام خمسة عشر عامًا، وتترك لبنان ينزف حتى اليوم، بعد مرور 49 عامًا على نهايتها الرسمية عام 1990، وأكثر من 51 عامًا على بدايتها، مع تداعياتها المستمرة في صراعات 2006، 2008، وأزمات اليوم. هذه الحرب الأهلية لم تكن مجرد مواجهة مسلحة بين طوائف وميليشيات؛ كانت كارثة إنسانية ووطنية حولت “سويسرا الشرق” إلى دولة فاشلة، وزرعت بذور الانهيار الذي نعيشه اليوم. في هذا التقرير التحليلي، نستعرض النتائج السلبية المتوارثة لتلك الحرب، مع التركيز على مسؤولية “أمراء الحرب” الذين تحولت ميليشياتهم إلى أحزاب سياسية، محتلة السلطة ومدمرة مستقبل الأجيال.
‎الخراب الاقتصادي: إرث مدمر لا يزال يلتهم الوطن
‎بدأت الحرب بتفجير سيارات مفخخة واشتباكات شارعية، لكنها انتهت بتدمير بنية تحتية كاملة: ميناء بيروت المدمر جزئيًا، طرق مقطعة، مصانع محروقة، ومصارف مفلسة. الخسائر الاقتصادية قدرت بـ50 مليار دولار آنذاك، لكن التداعيات امتدت إلى القرن الـ21. اليوم، يعاني لبنان من أسوأ أزمة مالية عالمية منذ القرن التاسع عشر، حسب تصنيف بنك الشعب الصيني وبيانكو إيكونوميكا. الليرة اللبنانية خسرت 98% من قيمتها منذ 2019، والتضخم وصل إلى 200% سنويًا، مما دفع 80% من السكان إلى الفقر المدقع، وفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2023.
‎هذا الانهيار ليس مصادفة؛ إنه نتيجة مباشرة لسياسات أمراء الحرب الذين سيطروا على الدولة بعد الطائف. بدلًا من إعادة الإعمار، أداروا الاقتصاد كمزرعة طائفية: توزيع المناقصات على الموالين، نهب الصناديق العامة، وتراكم ديون تصل إلى 90 مليار دولار. مثال صارخ: صندوق الإغاثة الدولي بعد انفجار المرفأ، الذي ابتلعه الفساد دون إصلاح. اليوم، لا كهرباء لـ22 ساعة يوميًا، لا وقود، ولا دواء، فيما يعتمد اللبنانيون على التحويلات من المهاجرين – 1.5 مليون مغترب منذ الحرب، أي ربع السكان الأصليين.
‎التفكك الاجتماعي والطائفي: جرح ينزف في كل أزمة
‎الحرب قتلت 150 ألفًا، جرحت 300 ألف، وشردت مليونًا، لكن الجرح الأعمق كان الطائفي. قسمت بيروت إلى “شرق” و”غرب”، وزرعت كراهية تتجدد في كل صراع. اليوم، بعد 51 عامًا، نرى شبحها في احتجاجات 17 أكتوبر 2019، التي حاول الشعب فيها كسر الطائفية، لكن أمراء الحرب أعادوا الفتنة عبر ميليشياتهم. الطائفية أصبحت نظامًا دستوريًا يمنع الإصلاح: رئيس مسيحي، رئيس وزراء سني، رئيس مجلس مسلم شيعي، مما يجعل أي حكومة رهينة للتوازنات الطائفية.
الأجيال الجديدة تدفع الثمن: معدل بطالة يتجاوز 40% بين الشباب، وبلد يفقد عقوله بسرعة قياسية – 500 ألف شاب هاجر منذ 2019. الصحة النفسية مدمرة: دراسات منظمة الصحة العالمية تظهر ارتفاع الاكتئاب بنسبة 50% بسبب الذاكرة الجماعية للحرب. حتى جائحة كورونا كشفت الضعف: نظام صحي مفلس، وتوزيع لقاحات طائفي.
أمراء الحرب من الميليشيات إلى عرش الفساد
هم الوجوه البارزة المعروفة التي نراها كل يوم ونسمع مواويلها الوطنية على مدار الساعة. سبعة أمراء ، قادوا الميليشيات أثناء الحرب، ارتكبوا المذابح في كل منطقة من لبنان ء،ثم حولوا أسلحتهم إلى مقاعد برلمانية بفضل الطائف. اليوم، يديرون الدولة ككارتل: يتقاسمون الإيرادات من المشاريع العامة والإدارات ومن الموانئ والكهرباء وغيرها ….
توسيعًا، دعونا ننظر إلى الأرقام: حسب تقرير “ترانسبرانسي إنترناشونال”، يحتل لبنان المرتبة 150 من 180 في مؤشر الفساد. أمراء الحرب يسيطرون على 70% من مقاعد البرلمان، ويمنعون قوانين الإصلاح مثل الانتخابات النسبية أو نزع السلاح. حزب الله، على سبيل المثال، يحتفظ بجيش خاص أقوى من الجيش اللبناني، مما يجعل لبنان رهينة . جنبلاط يلعب على حبلين، جعجع يحارب سياسيا ، باسيل يناور في محطاته الجماهرية وبري يدير البرلمان 30 عامًا. اما جنبلاط فهي يدير اللعبة ،هذا النظام الطائفي-ميليشياوي هو السبب في عدم قدرة لبنان على مواجهة الأزمات: لا حكومة فعالة، لا عدالة، لا أمان.
وقت المحاسبة أم الانهيار النهائي؟
بعد 51 عامًا، لبنان ليس ضحية قدر، إنه أسير أمرائه. الحرب علمتهم القتل، لكنهم لم يتعلموا البناء. الشعب، في ثورته 2019، صاح “كلن يعني كلن”، مطالبًا بمحاسبة هؤلاء. اليوم، مع حرب إسرائيلية جديدة على الحدود الجنوبية، يتجدد الخوف. الحل؟ إصلاح دستوري، نزع سلاح الميليشيات، محاكمات للفاسدين، واقتصاد حر. ذكرى 13 نيسان ليست حزنًا؛ إنها دعوة للنهوض. فإذا لم يقطع اللبنانيون خيوط الماضي، ستبقى الرصاصة الأولى تدوي إلى الأبد.