بيروت-“القدس العربي” من سعد الياس:
تساؤلات كثيرة يطرحها لبنان الرسمي والشعبي حول موقف “حزب الله” من أي ضربة أمريكية اسرائيلية على إيران التي يرتبط بها إيديولوجياً ويُعتبر أحد أبرز أذرعتها العسكرية في المنطقة هي التي تولّت على مدى سنوات توفير الدعم العسكري والمالي له.
أبرز ما عبّر عنه أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم تجاه التهديد بإستهداف طهران هو قوله “لن نقف على الحياد”، فيما إكتفت كتلة “الوفاء للمقاومة” في بيانها قبل 3 ايام بإستهجان “تحشيد الأساطيل والزج بمزيدٍ من حاملات الطائرات الأمريكية إلى المنطقة في أضخم عراضة عسكرية والتي تهدد باندلاع حرب إقليمية كبرى نتيجة سياسة التهديد والبلطجة الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران”، من دون أي اشارة إلى نية “حزب الله” بالتدخل في هذه الحرب، علماً أن خطوطاً مفتوحة بين القصر الجمهوري وقيادة “الحزب” من جهة واتصالات بين عين التينة و”الحزب” من جهة أخرى تنبّه من أي مغامرة جديدة لأنها ستحمل تداعيات كبرى على “الحزب” وبيئته ولبنان. وفي تعبير عن تقدم الاتصالات بين رئيس مجلس النواب نبيه بري و”حزب الله” لتحييد لبنان عن أي حرب، أكد رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد من عين التينة “أننا حريصون على أمن واستقرار البلد وعلى سير الحياة الطبيعية”.
وينطلق موقف “حزب الله” من إدراكه لفقدانه القدرة العسكرية على “إسناد إيران” بعدما بات مكشوفاً امام الآلة الحربية الاسرائيلية غداة ما آلت إليه حرب “إسناد غزة”. من هنا، من المرجّح أن يكون إسناد “الحزب” لإيران كلامياً وسياسياً أكثر منه عسكرياً، لأن الخطر سيكون في انتظاره في كل مناطق وجوده من الجنوب إلى البقاع مروراً بالضاحية الجنوبية. ولم تتردد تل أبيب في الاعلان عن تأهب قواتها على الحدود الشمالية وعن خطط لتنفيذ ضربة استباقية ضد “حزب الله”، وهي تعتبر أن الفرصة ستكون سانحة للتخلص نهائياً من “حزب الله” في حال إنخراطه في الحرب.
ولكن ثمة مَن يعتقد أن على الدولة اللبنانية ألا تبقى ساكتة على سلوك “حزب الله” وأن تنتقل من التحرك الصامت إلى إعلان صريح موجّه إلى الضاحية الجنوبية برفض توريط لبنان في أي حرب جديدة، لتحييد الدولة ومرافقها الحيوية والمدنية عن أي استهداف اسرائيلي سيضيف مزيداً من القتل والتدمير، خصوصاً أن أي ضربة أمريكية اسرائيلية على طهران لن تكون استعراضية بل قد تصل إلى حد استهداف النظام بحد ذاته.
واللافت أن لبنان حضر في كلمة الرئيس الامريكي دونالد ترامب خلال ترؤسه الاجتماع الأول لـ”مجلس السلام” في واشنطن، حيث قال: “هناك أمور معينة نعمل عليها وهذا أمر مهم جداً ويجب أن نحل مشكلة لبنان وهي تعتبر صغيرة نسبياً مقارنة بما تم إنجازه”، ما يعني أن ملف لبنان موضوع على الأجندة في ضوء ما يشهده من خطط لحصرية السلاح في سائر المناطق اللبنانية وليس فقط جنوب نهر الليطاني.
فهل إقتنع “حزب الله” بالمتغيرات الكبرى في المنطقة أم مازال متمترساً خلف حالة الانكار ومعتقداً أنه قادر بعد على شراء الوقت للاحتفاظ بسلاحه كما فعل بعد حرب تموز/يوليو 2006 وكما إنقلب على القرار 1701؟.
تقول أوساط نيابية إن “حزب الله” الذي نشأ كتنظيم مسلح قبل أن يصبح لديه جناح سياسي لا يستطيع التخلي عن السلاح الذي هو علّة وجوده والذي دفع بأمينه العام السابق حسن نصرالله للقول في ايار/مايو 2008 “إن السلاح هو للدفاع عن السلاح”.
ولكن ما بين 2008 و2026 تحولات كبيرة حدثت، تدعوه الأوساط إلى قراءتها بتمعن وعدم الاستمرار بالعيش في وهج فائض القوة الذي بات من الماضي. وتعتبر أن تجاوب “الحزب” طوعاً في الوقت الحالي وتعاونه مع الجيش اللبناني من أجل تسليم سلاحه سيكون أفضل بكثير له ولبيئته من أن يصبح ملزماً بتسليم السلاح في وقت لاحق بغير إرادته، ولاسيما في حال سقوط نظام المرشد الايراني علي الخامنئي كما سقط نظام بشار الأسد. وكل رهان على على قدرته على الصمود حتى عبور العاصفة الامريكية هو رهان في غير محله.
فخارجياً، كل الأنظار على لبنان وكيفية تطبيق خطة حصرية السلاح، وسيكون مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس في 5 آذار/مارس المقبل فرصة لدول اللجنة الخماسية لتوجيه مزيد من الضغوط على الدولة اللبنانية والمؤسسة العسكرية للاستعجال ببسط سيطرتها الكاملة على مختلف الاراضي اللبنانية سواء جنوب أو شمال نهر الليطاني من دون إستثناء.
اما داخلياً، فيجد “حزب الله” نفسه للمرة الاولى امام عهد صلب وحكومة تلتزم صراحة بسحب السلاح غير الشرعي، وتُهمل في بيانها الوزاري ما كان يُسمى “المعادلة الذهبية جيش وشعب ومقاومة”، فيما رئيس الحكومة نواف سلام يعتبر أن “دور المقاومة انتهى عام 2000 بعد التحرير”، ويؤكد مراراً “أن السلاح لا ردع ولا حمى ولا نصر غزة”.


