
قداسة البابا لاون الرابع عشر في قصر بعبدا ولقاءات مع الرئيس عون والرئيسين بري وسلام وممثلي السلطات والمجتمع المدني والسلك الديبلوماسي
الرئيس عون: لبنان وطن الحرية والكرامة لكل إنسان
وهذه هي فرادته في العالم كله ودعوته لكل الأرض
—
رئيس الجمهورية: من واجبٌ الإنسانية الحية الحفاظِ على لبنان لأنه إذا سقطَ هذا النموذجُ في الحياة الحرة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة فما من مكانٍ آخرَ على الأرض يَصلحُ لها
الرئيس عون لقداسة البابا: بقاء هذا اللبنان الحاضر كله الآن من حولكم
هو شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء ابراهيم كافة
رئيس الجمهورية للبابا لاون الرابع عشر : أبلغوا العالم عنا بأننا لن نموت
ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم
البابا لاون الرابع عشر: صمود اللبنانيين هو علامة مميّزة
لا يمكن الاستغناء عنها لفاعلي السّلام الحقيقيّين
—
قداسة الحبر الأعظم: لعدم انفصال المسؤولين عن شعبهم الغني بتنوعه وثقافة المصالحة
تحتاج إلى السُّلُطات والمؤسّسات التي تعترف بأنّ الخير العام هو فوق خير الأطراف
—
البابا لاون: للنّساء قدرة خاصّة على صنع السّلام ومشاركتهن في الحياة الاجتماعية والسياسية عنصر من عناصر التجدد الحقيقي
الحبر الأعظم: الكنيسة لا تهتمّ فقط بكرامة الذين ينتقلون إلى بلدان أخرى
بل تريد ألّا يُجبَر أحد على المُغادرة وأن يتمكّن من العودة بأمان جميع الرّاغبين
اكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن لبنان ليس مجرد أرض تاريخية، بل موطن القديسين العظام. ولفت في كلمة ألقاها في مستهل اللقاء الذي جمعه وقداسة البابا لاون الرابع عشر مع ممثلي السلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي مساء اليوم في قصر بعبدا، أن لبنان الذي يستقبل اليوم قداسة البابا هو “لبنان الذي تكوّن بسبب الحرية ومن أجلها، لا من أجل أي دين أو طائفة أو جماعة، ولبنان وطن الحرية لكل إنسان، والكرامة لكل إنسان”، مشدداً على أن هذه هي فرادته في العالم كله ودعوته لكل الأرض.
واعتبر الرئيس عون أن من واجبٌ الإنسانية الحية الحفاظِ على لبنان، “لأنه إذا سقطَ هذا النموذجُ في الحياة الحرة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة، فما من مكانٍ آخرَ على الأرض، يَصلحُ لها”.
وأضاف متوجهاً لقداسة البابا :”نحن نجزم اليوم، بأن بقاء هذا اللبنان، الحاضر كله الآن من حولكم، هو شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء ابراهيم كافة”.
وأشار رئيس الجمهورية إلى أنه في أرضنا اليوم، وأرض منطقتنا، الكثير من القهر، والكثير من المتألمين، “وجراحهم تنتظر لمستكم المباركة، وتتطلع إلى سماع وإسماع صوتكم العظيم الشجاع”.
وختم الرئيس عون كلمته بالقول :”صاحب القداسة، أبلغوا العالم عنا، بأننا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم. بل سنظل هنا، نستنشق الحرية، ونخترع الفرح ونحترف المحبة، ونعشق الابتكار، وننشد الحداثة، ونجترح كل يوم حياة أوفر”.
من جهته، اكد قداسة البابا في كلمة له على مفهوم صناعة السلام، فاشار فيها بداية إلى أن اللبنانيين هم “شعب لا يستسلم، بل يقف أمام الصّعاب ويعرف دائمًا أن يُولَد من جديد بشجاعة”، معتبراً أن صمودهم هو علامة مميّزة لا يمكن الاستغناء عنها لفاعلي السّلام الحقيقيّين.
وأضاف: “أنتم بلد متنوّع، وجماعة مكوَّنةٌ من جماعات، لكنْ موحّد بلغة واحدة… وأشير بصورة خاصّة إلى لغة الرّجاء، اللغة التي سمحت لكم دائمًا بأن تبدأوا من جديد”.
ودعا قداسته المسؤولين إلى عدم الانفصال ابداً عن شعبهم، الغني بتنوعه. واكد أنه لا توجد مصالحة دائمة “بدون هدف مشترك، وبدون انفتاح على مستقبل يسود فيه الخير على الشّرّ الذي عانى منه النّاس أو فرضوه على غيرهم في الماضي أو الحاضر. لذلك، لا تولد ثقافة المصالحة من القاعدة فقط، ومن استعداد البعض وشجاعتهم، بل تحتاج إلى السُّلُطات والمؤسّسات التي تعترف بأنّ الخير العام هو فوق خير الأطراف”.
وتساءل البابا لاون في كلمته: “ماذا يجب أن نفعل حتّى لا يشعر الشّباب، بشكل خاصّ، بأنّهم مضطرّون إلى أن يتركوا أرضهم ويهاجروا؟ كيف نحثّهم على ألّا يبحثوا عن السّلام في مكان آخر، بل أن يجدوا الضّمانات ويصيروا روّادًا له في موطنهم الأصليّ؟”
وإذ لفت إلى أن أمورًا إيجابيّة كثيرة تأتي إلى لبنان من اللبنانيّين المنتشرين في العالم، قال :” مع ذلك، يجب ألّا ننسى أنّ البقاء في الوطن والمساهمة يومًا بعد يوم في تطوير حضارة المحبّة والسّلام، هو أمرٌ يستحقّ التّقدير. في الواقع، الكنيسة لا تهتمّ فقط بكرامة الذين ينتقلون إلى بلدان أخرى، بل تريد ألّا يُجبَر أحد على المُغادرة وأن يتمكّن من العودة بأمان كلُّ الرّاغبين فيها”.
وكانت لقداسته لفتة للمرأة اللبنانية، معتبرا أنه لا يجب أن ننسى أنّ للنّساء قدرة خاصّة على صنع السّلام، لأنَّهُنَّ يُحسِنّ حفظ الرّوابط العميقة. وأضاف :”إنّ مشاركتُهنَّ في الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة، وكذلك في حياة جماعاتهنّ الدّينيّة، آخذين بالحسبان الطّاقة الشّبابيّة التي لديهنّ، هي في العالم كلّه عنصر من عناصر التّجدّد الحقيقيّ”.
الوصول
وكان موكب البابا لاون الرابع عشر وصل إلى أول طريق القصر الجمهوري، حيث ترجل من سيارته واستقل سيارة “البابا موبيلي”، وانتقل بها وسط حشود من المؤمنين الى القصر الجمهوري، الذي وصله قرابة الخامسة بعد الظهر. وأقيم له عند المدخل الرئيسي تجمع شعبي لتحيته، اعقبه عرض فروسية رافق موكب قداسته على طريق القصر. كما أقيم عرض دبكة لبنانية بمشاركة مئة شخص من مختلف الأعمار، على رغم المطر الذي انهمر بغزارة.
عرض ثلاثي الابعاد
ولدى وصوله الى سارية العلم، اطفئت الانارة في الباحة الخارجية ليبدأ عرض ثلاثي الابعاد Mapping 3D على واجهة القصر. وجسّد العرض قصة كل لبناني متجذّر في أرضه، قوي كأرز لبنان، ثابت كمفاتيح الفاتيكان، عاكسا عمق العلاقة بين البلدين عبر السنوات. وتظهر الأرزة اللبنانية تُلملم تكسّراتها وصعوباتها لتنهض أقوى وأجمل، ويتعانق العلمان اللبناني والفاتيكاني إيذانًا برسالة سلام، فيما يشكّل حضور قداسة البابا رجاءً جديدًا لكل اللبنانيين.
بدأ العرض بإبراز أثر الحروب والصراعات والانقسامات التي عصفت بلبنان لسنوات طويلة حيث ومن بين الشظايا المتناثرة، تتجمّع الخطوط المكسورة لتتشكل شجرة أرز متوهجة، بتصميم يستوحي صمود اللبنانيين ووحدتهم وأملهم الذي يظل واقفاً رغم كل اختلافاتهم.
وفي المشهد التالي للعرض، تنتشر الشموع والجزيئات المضيئة حول الواجهة، كأنها نَفَس نوراني هادئ يعيد للروح طمأنينتها. ومن قلب شجرة الأرز، تنطلق حمائم تحلّق برشاقة فوق كل الواجهات، في دلالة على قوة الصلاة الجماعية حين ترتفع من لبنان إلى العالم.
ثم يظهر الشوق العالمي للسلام عبر علمي لبنان والفاتيكان، ينطلقان ببطء ويتقدمان نحو بعضهما، قبل أن يلتقيا ويلتفّا برفق، في إشارة إلى الرابط التاريخي والروحي الذي يجمع لبنان بالكرسي الرسولي.
وتتجلّى ذروة العرض مع عرش القديس بطرس، تحيط به نافذة الزجاج الملوّن التي تمثل الروح القدس. تنبثق منه حلقات نور تحمل كلمة “سلام” باثنتي عشرة لغة، فتملأ المساحة كلها بدفء رسالتها.
بعدها يتجسّد معنى الحاجة المشتركة للسلام في العالم، إذ تتحوّل حمامة الزجاج الملونة إلى حمامة حقيقية تنطلق محلّقة فوق ساحة القديس بطرس. يرتفع المشهد فوق الغيوم ليكشف صورة جوية مهيبة للساحة تسقط على جدران القصر.
ويُختتم العرض بترحيب لبنان الحار بالبابا لاون الرابع عشر، مع رسالة أخيرة تُعرض بالعربية والإنكليزية والفرنسية، يليها شعار الزيارة: “طوبى لصانعي السلام.” تحية روحية ورسالة أمل تعانق الأرض والسماء.
الدخول الى القصر
بعد ذلك، تقدّم قداسة البابا الى مدخل القصر حيث كان في استقباله الرئيس عون واللبنانية الأولى، وقدم له أحفادهما الورود وغصون الزيتون. ثم تقدم والرئيس عون واللبنانية الأولى بين صفي كتيبة الرماحين الى صالة السفراء، حيث عقد اجتماعا ثنائيا مع الرئيس عون انضم اليه في ما بعد افراد العائلة والتقطت الصور التذكارية. وقدم الرئيس عون لقداسة البابا هدية عبارة عن لوحة خشبية من شجر الأرز، نفذها الفنان نبيل نحاس، وهي تمزج بين التجريد والمناظر الطبيعية، مُستحضرةً عالمًا يتشابك فيه الشكل والذاكرة، فيما قدم الأب الأقدس الى الرئيس عون ميدالية تخليد الزيارة وتتضمن لجهة اليمين صورة سيدة لبنان والقديس شربل مخلوف، تجمع بينهما الأرزة، والى يسار الميدالية جامع السلطان أحمد في تركيا ومنحوتة للقديس اندراوس شفيع بطريركية القسطنطينية. وكتب باللاتينية الزيارة الى تركيا والزيارة الرسولية الى لبنان من 27 تشرين الثاني الى 2 كانون الأول 2025، وهي من تصميم وصنع النحاتة آماليا ميستيكيللي. وقدم احفاد الرئيس لقداسة البابا “راكيت تنس” مع كراتها لاسيما وان البابا يهوى هذه اللعبة ويمارسها.
ثم عقد قداسته اجتماعا مع رئيس مجلس النواب نبيه بري انضم اليه فيما بعد السيدة رندا بري وافراد العائلة، واهدى الرئيس بري كتابا من تأليف المؤرخ الإيطالي مارتينيانو بيليغرينو رونكالي وعنوانه “على خطى يسوع المسيح في لبنان”، ويروي محطات المسيح في الجنوب ولاسيما في قانا وصور وصيدا، ومعجزاته الأولى في المنطقة.
ومن ثم عقد اجتماعا مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام انضم اليه في ما بعد عقيلته السيدة سحر بعاصيري سلام وعائلتهما حيث تم التقاط الصور.
شجرة ارز
بعد ذلك، انتقل البابا والرئيس عون واللبنانية الاولى الى قاعة 22 تشرين ليروي شجرة ارز استقدمت الى داخل القاعة بسبب تردي الاحوال الجوية، وذلك على انغام جوقة المدرسة اللبنانية للضرير والأصم في بعبدا التي قدم أعضاؤها عرضا غنائيا انشدوا فيه أغاني للسيدة فيروز.
السجل الذهبي
ثم انتقل البابا لاون والرئيس عون واللبنانية الاولى الى البهو الرئيسي للقصر حيث دون قداسته بقلم مصنوع من خشب الزيتون على يد حرفي لبناني، على السجل الذهبي الكلمة الاتية:
“في اليوم الأول من زيارتي الى لبنان، احدى الدولتين اللتين ازورهما في هذه الرحلة الرسولية الأولى من حبريتي، ارجو بكل سرور البركات العديدة لجميع اهله، مصليا ان يسود السلام”.
لقاء مع ممثلي السلطات والمجتمع المدني
ثم انتقل قداسة البابا والرئيس عون واللبنانية الأولى الى قاعة 25 أيار حيث كان لقاء مع ممثلي السلطات والمجتمع المدني والسلك الديبلوماسي، بحضور الرئيسين بري وسلام وعقيلتيهما، وبطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ونائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، ونائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، ورؤساء الجمهورية السابقين العماد ميشال سليمان وعقيلته، الرئيس ميشال عون وعقيلته، والسيدتين منى الهراوي وصولانج الجميل.
كما حضر رئيسا الحكومة السابقان فؤاد السنيورة وتمام سلام، وعدد من الوزراء والنواب و بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية والقدس للروم الكاثوليك مار يوسف الاول العبسي، كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس لبيت كيليكيا الكاثوليكوس آرام الأول، بطريرك كيلّيكيا للأرمن الكاثوليك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون مينيسيان، بطريرك السريان الارثوذكس مار اغناطيوس افرام الثاني، بطريرك السريان الكاثوليك الانطاكي مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان المطران ميشال قصارجي، النائب الرسولي للاتين في لبنان المطران سيزار أسايان، رئيس الطائفة الاشورية المطران مار مليس زيا، رئيس الطائفة القبطية في لبنان وسوريا القمص اندراوس الانطوني، رئيس المجمع الاعلى للطائفة الإنجيلية في لبنان وسوريا القس جوزف قصاب، مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ علي الخطيب، المفتي الجعفري الممتاز أحمد عبد الأمير قبلان، شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، رئيس المجلس الاسلامي العلوي الشيخ علي قدور، متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده، متروبوليت بيروت للروم الكاثوليك المطران جورج بقعوني، راعي أبرشية بيروت المارونية المطران بولس عبد الساتر، بطريرك الاسكندرية للأقباط الكاثوليك الأنبا إبراهيم إسحق سدراك، بطريرك الكلدان في العراق والعالم الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو، بطريرك القدس للاتين الكاردينال بيير بتيستا بيتسابالا وعدد من الوزراء والنواب، وسفراء الدول العربية والأجنبية، وقادة الأجهزة الأمنية وفاعليات اقتصادية ونقابية واجتماعية وثقافية.
كما حضر أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، رئيس مجمع تعزيز الوحدة المسيحية الكاردينال كورت كوخ، رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال كلاوديو غوجيروتي، رئيس مجمع الحوار بين الأديان الكاردينال جورج جاكوب كوفاكاد ، نائب أمانة دولة الفاتيكان المطران إدغار بينيا بارّا، سكرتير العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية المطران بول ريتشارد غالاغر، رئيس الاحتفالات الليتورجية البابوية المطران دييغو رافيللي، السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا، سكرتير السفارة البابوية الأب ياكوب توماشيفسكي، ومديرا المراسم المونسنيور ليوبومير فيلنيتز والمونسنيور ماسيميليانو ماتيو بوياردي، أمانة سر دولة الفاتيكان (القسم الإيطالي) المونسنيور جوزيبي ميرولا، أمانة سر دولة الفاتيكان (القسم الإنجليزي) المونسنيور بول موس، موظف في أمانة سر دولة الفاتيكان (القسم الفرنسي)المونسنيور غيوم ميّو، رئيس مجمع الاتصالات الدكتور باولو روفيني، مدير المكتب الصحفي للكرسي الرسولي الدكتور ماتيو بروني، المدير التحريري لمجمع الاتصالات الدكتور أندريا تورنييللي، مدير صحيفة “اوسيرفاتوري رومانو” الدكتور أندريا موندا.
الرئيس عون
بدأ اللقاء، بكلمة ترحيبية للرئيس عون قال فيها:
“قداسة البابا لاوون الرابع عشر،
بفرح عظيم ، أرحب بكم، رسول سلام في وطن السلام.
بشرف عظيم، و باسم الشعب اللبناني بكل مكوّناته وطوائفه وانتماءاته، أرحّب بكم في هذا الوطن الصغير بمساحته، الكبير برسالته، لبنان الذي كان وما زال أرضاً تجمع بين الإيمان والحرية، بين الاختلاف والوحدة، وبين الألم والرجاء
صاحب القداسة،
إنّكم لا تزورون بلداً عادياً، بل أرضاً محفوفة بخطوات التاريخ المقدّس.
فقد ذُكِر لبنان في الكتب المقدّسة مراراً، رمزاً للعلو والثبات والقداسة. وقد استعمل نشيد الأناشيد جبال لبنان وغاباته كرموز للجمال والروعة والنقاء، فغدت هذه الأرض شاهدة على عظمة الخلق ووفاء للتاريخ المقدّس
بفخر عظيم، أرحب بقداستكم، على أرض الكنعانية الراجية شفاء ابنتها. حتى قال لها يسوع: “يَا امْرَأَة، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ”.
وشعبنا اليوم كله يا صاحب القداسة، مثل تلك الكنعانية.
إيماننا عظيم… ورجاؤنا شفاء النفوس والقلوب والعقول، من الأحقاد والحروب والدمار …
أهلاً وسهلاً بكم، على الأرض المسيّجة بالعذراء،
والمكرسة لإسمها. من أقصى الجنوب حتى أقصى الشمال.
وفي الوسط سيدة المنطرة قرب صيدا، حيث انتظرت العذراء ابنها يسوع.
حتى جعلنا يوم بشارتها، عيداً وطنياً لكل طوائف لبنان ولكل أدياننا الإبراهيمية، في ظاهرة لم يعرفها أي بلد آخر في العالم.
أهلاً وسهلاً بكم، على الأرض، التي من بعض مائها المتدفق من حاصباني الجنوب، تعمّد يسوع في نهر الأردن …
لبنان ليس مجرد أرض تاريخية، بل موطن القديسين العظام، ومنهم القديس شربل الذي ستزورون مقامه المبارك، كرّمه الله بعطايا ومعجزات امتدت لكل البشر، دون تمييز بين الأديان، مظهراً وحدة الشعب اللبناني وإيمانه العميق
هذا هو لبنان الذي يستقبلكم اليوم يا صاحب القداسة.
لبنان الذي تكوّن بسبب الحرية ومن أجلها.
لا من أجل أي دين أو طائفة أو جماعة.
وطن الحرية لكل إنسان. والكرامة لكل إنسان.
وطن فريد في نظامه، حيث يعيشُ مسيحيون ومسلمون، مختلِفين، لكنْ متساوين.
في نظامٍ دستوري قائم على التساوي بين المسيحيين والمسلمين. وبالانفتاح على كل إنسان وضمير حر.
هذه فرادة لبنان في العالم كله. وهذه دعوته لكل الأرض.
ومن هنا واجبٌ الإنسانية الحية الحفاظِ على لبنان. لأنه إذا سقطَ هذا النموذجُ في الحياة الحرة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة، فما من مكانٍ آخرَ على الأرض، يَصلحُ لها.
وكما قلت في نيويورك، أكرر من بيروت: إذا زالَ المسيحيُ في لبنان، سقطت معادلة الوطن، وسقطت عدالتُها.
وإذا سقطَ المسلمُ في لبنان، اختلت معادلة الوطن، واختلّ اعتدالها.
وإذا تعطل لبنانُ أو تبدل، سيكونُ البديلُ حتماً، خطوطَ تماسٍ في منطقتِنا والعالم، بين شتى أنواعِ التطرّفِ والعنفِ الفكري والمادي وحتى الدموي.
هذا ما أدركه الكرسي الرسولي دوماً.
ولهذا رفع قداسة بولس السادس صوته باكراً دفاعاً عن وحدة لبنان وسيادته.
كما خلّد القديس يوحنا بولس الثاني لبنان في ذاكرة العالم بقوله التاريخي
“لبنان أكثر من بلد. إنه رسالة في الحرية والتعددية معاً، للشرق كما للغرب”.
قبل أن يكرس سابقة كنسية استثنائية، بتخصيص سينودس عام، خاص للبنان.
وهو من قال عنا قبل 40 عاماً، بأن وجود المسيحية الحرة في لبنان، شرط لاستمرارها وازدهارها في كل منطقتنا.
ونحن نجزم اليوم، بأن بقاء هذا اللبنان، الحاضر كله الآن من حولكم، هو شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء ابراهيم كافة.
وصولاً إلى قداسة البابا بنديكتس السادس عشر، زائر المحبة والحكمة، الذي أكّد من بيروت، أن مستقبل الشرق لا يمكن أن يُبنى إلا بالشراكة والتعددية والاحترام المتبادل. وكانت خطوته بالغة الدلالة والرمزية، بأنه لم يعلن الإرشاد الرسولي الخاص بالشرق الأوسط، إلا من لبنان.
وها نحن نستقبلكم يا صاحب القداسة رابعَ خليفةٍ لبطرس يزور وطننا ، في خطوة لا تقل بلاغة في الرسالة والدلالة. إذ أردتم أن يكون لبنان، أرض زيارتكم البابوية الأولى خارج روما. فجئتم إليه مباشرة من نيقيا، من أرض قانون الإيمان، في ذكراه الألف وسبمعمئة.
لتؤكدوا مجدداً إيمانكم بنا. ولنجدد معاً إيماننا بالإنسان.
جئتم إلى أرض الكنائس التي وصفتموها بالشهيدة.
لتزرعوا فينا الرجاء، ولنحولها شاهدة على القيامة.
جئتم إلينا يا صاحب القداسة، لنقرأ في وجهكم المضيء، كلماتكم الرائعة في رسالتكم العامة الأخيرة، “لقد أحببتك”،
بأن لمس جرح مقهور على الأرض، هو كلمس جراح يسوع في التاريخ.
وفي أرضنا اليوم، وأرض منطقتنا، الكثير من القهر، والكثير من المتألمين. وجراحهم تنتظر لمستكم المباركة. وتتطلع إلى سماع وإسماع صوتكم العظيم الشجاع.
صاحب القداسة، أبلغوا العالم عنا، بأننا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم.
بل سنظل هنا، نستنشق الحرية، ونخترع الفرح ونحترف المحبة، ونعشق الابتكار، وننشد الحداثة، ونجترح كل يوم حياة أوفر …
أبلغوا العالم عنا، بأننا باقون مساحة اللقاء الوحيدة، في كل منطقتنا، وأكاد أقول في العالم كله. حيث يمكن لهذا الجمع أن يلتقي حول خليفة بطرس. ممثلين متفقين لكل أبناء ابراهيم، بكل معتقداتهم ومقدساتهم ومشتركاتهم …
فما يجمعه لبنان، لا يسعه أي مكان في الأرض.
وما يوحده لبنان لا يفرقه أحد.
بهذه المعادلة يعيش لبنان في سلام مع منطقته، وفي سلام منطقته مع العالم.
ومن الآن حتى يسمع المعنيون ويقتنعوا، لا خوف علينا صاحب القداسة. فبصلاتكم ودعائكم، وبإيماننا بحقنا ووطننا، باقون هنا، أبناء الرجاء. وأبناء القيامة. باقون هنا. نور الشرق ومنارته وملح أرضه. وباقون هنا، رسل محبة وخير.
فمنذ البداية وحتى النهاية، نحن تلاميذ من أوصانا ألا نخاف. وأن نثق به. لأنه بمحبته وسلامه غلب العالم.
ونحن شهود على ذلك وعاملون لتحقيقه.
عاشت المحبة
عاش السلام
عشتم يا صاحب القداسة
عاش لبنان”
كلمة قداسة البابا
ثم توجه قداسة البابا الى أبناء الامة اللبنانية بالكلمة التالية:
السّيّد الرّئيس،
السُّلُطات المدنيّة والدّينيّة المحترمين،
أعضاء السّلك الدّبلوماسيّ،
سيداتي وسادتي!
طوبى لفاعلي السّلام!
إنّه لفرحٌ كبير لي أن ألتقي بكم وأزور هذه الأرض حيث ”السّلام“ هو أكثر من مجرَّد كلمة: السّلام هنا هو شَوق وهو مصير، وهو عطيّة وورشة عمل مفتوحة دائمًا. أنتم مكلَّفون بالسُّلطة في هذا البلد، كلٌّ في مجاله الخاصّ وبأدوار محدّدة. ومن منطلق هذه السُّلطة، أودّ أن أوّجه إليكم كلام يسوع، الذي تمّ اختياره ليكون مصدر إلهام أساسيّ لهذه الزّيارة: “طوبى لفاعلي السّلام” (راجع متّى 5، 9). بالتّأكيد، هناك ملايين اللبنانيّين، هنا وفي كلّ العالم، يخدمون السّلام بصمت، يومًا بعد يوم. أمّا أنتم، الذين تحملون المسؤوليّات المختلفة في مؤسّسات هذا البلد، فلَكُم تطويبة خاصّة إن استطعتم أن تُقَدِّموا هدف السّلام على كلّ شيء. أودّ، في لقائنا هذا، أن أفكِّر معكم قليلًا في معنى أن نكون فاعلي سلام في ظروف بالغة التّعقيد، ومليئة بالصّراعات والاضطراب.
بالإضافة إلى جمال الطّبيعة في لبنان وغِناه الثّقافيّ، اللذين أشاد بهما من قبل جميع أسلافي الذين زاروا بلدكم، تتجلّى صفةٌ تُميّز اللبنانيّين: أنتم شعب لا يستسلم، بل يقف أمام الصّعاب ويعرف دائمًا أن يُولَد من جديد بشجاعة. صمودكم هو علامة مميّزة لا يمكن الاستغناء عنها لفاعلي السّلام الحقيقيّين: في الواقع، عمل السّلام هو بداية متجدّدة ومُستمرّة. الالتزام من أجل السّلام، ومحبّة السّلام لا يعرفان الخوف أمام الهزائم الظّاهرة، ولا يسمحان للفشل بأن يثنيهما، بل طالِب السّلام يعرف أن ينظر إلى البعيد، فيقبل ويعانق برجاء وأمل كلّ الواقع. يتطلّب بناء السّلام مثابرة، وحماية الحياة ونموّها تتطلّب إصرارًا وثباتًا.
اسألوا تاريخكم. واسألوا أنفسكم من أين تأتي هذه الطّاقة الهائلة التي لم تترك شعبكم قطّ يستسلم ويبقى مُلقًى على الأرض، بلا رجاء. أنتم بلد متنوّع، وجماعة مكوَّنةٌ من جماعات، لكنْ موحّد بلغة واحدة: لا أشير هنا فقط إلى اللغة العربيّة اللبنانيّة التي تتحدّثون بها، والتي نثرت، في ماضيكم النّبيل، لآلئ لا تُقدَّر بثمن، بل أشير بصورة خاصّة إلى لغة الرّجاء، اللغة التي سمحت لكم دائمًا بأن تبدأوا من جديد. يبدو أن نوعًا من التّشاؤم والشّعور بالعجز قد سَاد حولنا، في كلّ أنحاء العالم تقريبًا: وصار النّاس لا يقدرون حتّى أن يسألوا أنفسهم ما الذي يمكنهم أن يعملوه لتغيير مجرى التّاريخ. وتبدو القرارات الكبرى وكأنّها تُتّخذ من قِبل قلّة من النّاس، وأحيانًا على حساب الخير العام، ويَظهر ذلك كأنّه قدرٌ محتوم. أنتم عانَيتم الكثير من تداعيات اقتصادٍ قاتل (راجع الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل، 53)، ومن عدم الاستقرار العالميّ الذي خلّف آثارًا مدمّرة في المشرق أيضًا، ومن التّشدّد وتصادم الهويّات ومن النّزاعات، لكنّكم أردتم وعرفتم دائمًا أن تبدأوا من جديد.
يمكن أن يفتخر لبنان بمجتمع مدنيّ نابض بالحياة، غنيّ بالكفاءات، وبشباب قادرين على أن يعبّروا عن أحلام وآمال بلد بأكمله. أشجّعكم إذًا على ألّا تنفصلوا أبدًا عن شعبكم، وأن تضعوا أنفسكم في خدمة شعبكم، الغنيّ بتنوّعه، بالالتزام والتّفاني. أرجو لكم أن تتكلّموا لغة واحدة: لغة الرّجاء التي تجمع الجميع ليبدأوا دائمًا من جديد. لَيت إرادة الحياة والنّموّ معًا، شعبًا واحدًا، تجعل من كلّ جماعة صوتًا واحدًا في سيمفونيّة متعدّدة الأصوات. ليساعدكم أيضًا رباط المودّة العميق الذي يشدّ اللبنانيّين الكثيرين المنتشرين في العالم إلى وطنهم. إنّهُم يحبّون وطنهم الأصليّ، ويصلُّون من أجل الشّعب الذي يشعرون بأنّهم جزء منه، ويُعزّزونه بخبراتهم وكفاءاتهم المتعدّدة التي تجعلهم موضع تقدير في كلّ مكان.
وهكذا نأتي إلى الميزة الثّانية لفاعلي السّلام: فهُم لا يعرفون فقط البدء من جديد، بل يفعلون ذلك بصورة خاصّة بطريق المصالحة الشّاق. في الواقع، هناك جِراح شخصيّة وجماعيّة تتطلّب سنوات طويلة، وأحيانًا أجيالًا كاملة، لكي تلتئم. إن لم تُعالَج، وإن لم نعمل على شفاء الذّاكرة، وعلى التّقارب بين من تعرّضوا للإساءة والظّلم، فمن الصّعب السّير نحو السّلام. سنُراوح حينئذ مكاننا، كلّ واحدٍ أسيرَ آلامه ورؤيته للأمور. لا يمكننا أن نبلغ الحقيقة إلّا باللقاء. كلّ واحدٍ منّا يرى جزءًا من الحقيقة، ويعرف جانبًا منها، لكنّه لا يستطيع أن يستغني عمّا يعرفه أو يراه الآخر وحده. الحقيقة والمصالحة تنموان دائمًا وفقط معًا: سواء في العائلة، أو بين الجماعات المختلفة والمكوّنات المتعدّدة في بلدٍ ما، أو بين البلدان المختلفة.
في الوقت نفسه، لا توجد مصالحة دائمة بدون هدف مشترك، وبدون انفتاح على مستقبل يسود فيه الخير على الشّرّ الذي عانى منه النّاس أو فرضوه على غيرهم في الماضي أو الحاضر. لذلك، لا تولد ثقافة المصالحة من القاعدة فقط، ومن استعداد البعض وشجاعتهم، بل تحتاج إلى السُّلُطات والمؤسّسات التي تعترف بأنّ الخير العام هو فوق خير الأطراف. والخير العام هو أكثر من مجموع مصالح كثيرة: إنّه يقرّب أهداف الجميع بقدر المستطاع ويدفع الجميع في اتّجاه واحد ليُحقّقوا أكثر ممّا لو استمرّ كلّ فردٍ وحده. في الواقع، السّلام هو أكثر بكثير من توازن، دائمًا مهلهل، بين الذين يعيشون منفصلين تحت سقف واحد. السّلام هو أن نعرف أن نعيش معًا، في وَحدة وشركة، متصالحين بعضنا مع بعض. المصالحة، التي تسمح لنا بأن نعيش معًا، وتُعَلِّمنا أيضًا أن نعمل معًا، جنبًا إلى جنب، من أجل مستقبل مشترك. إذّاك، يصير السّلام تلك الوفرة التي ستدهشنا عندما يتّسع أفقنا إلى ما وراء كلّ حدٍّ وحاجز. أحيانًا نفكّر في أنّه، قبل أن نتّخذ أيّة خطوة، يجب أن يتمّ توضيح كلّ شيء، وحلّ كلّ شيء، لكن المواجهة المتبادلة، حتّى في حالة سوء الفهم، هي الطّريق التي تؤدّي إلى المصالحة. الحقيقة الكبرى هي أنّنا نجد أنفسنا معًا منغرسين في مخطّط أعدّه الله لكي نصير فيه عائلة.
أخيرًا، أودّ أن أشير إلى ميزة ثالثة لفاعلي السّلام. إنّهم يجرؤون على البقاء، حتّى عندما يكلّفهم ذلك بعض التّضحية. هناك لحظات يكون فيها الهروب أسهل، أو ببساطة، يكون الذّهاب إلى مكان آخر أفضل. يتطلّب البقاء أو العودة إلى الوطن شجاعةً وبصيرةً، باعتبار أنّ الظّروف الصّعبة هي أيضًا جديرة بالمحبّة والعطاء. نعلَم أنّ عدم الاستقرار، والعنف، والفقر، ومخاطر كثيرة أخرى هنا، كما في أماكن أخرى من العالم، تُسَبِّب نزيفًا في الشّباب والعائلات الذين يبحثون عن مستقبل في مكان آخر، مع شعور عميق بالألم لمغادرة الوطن. بالتّأكيد، يجب أن نعترف بأنّ أمورًا إيجابيّة كثيرة تأتي إليكم من اللبنانيّين المنتشرين في العالم. مع ذلك، يجب ألّا ننسى أنّ البقاء في الوطن والمساهمة يومًا بعد يوم في تطوير حضارة المحبّة والسّلام، هو أمرٌ يستحقّ التّقدير. في الواقع، الكنيسة لا تهتمّ فقط بكرامة الذين ينتقلون إلى بلدان أخرى، بل تريد ألّا يُجبَر أحد على المُغادرة وأن يتمكّن من العودة بأمان كلُّ الرّاغبين فيها. في الواقع، التنقّل البشريّ هو فرصة هائلة للّقاء والغِنى المتبادل، لكنّه لا يُلغي الرّابط الخاصّ الذي يربط كلّ واحد بأماكن معيّنة، والتي يَدينُ لها بهويّته بشكل فريد. والسّلام ينمو دائمًا في سياق حيّ وعمليّ، قوامه روابط جغرافيّة وتاريخيّة وروحيّة. علينا أن نشجّع الذين يعزّزون هذه الرّوابط ويتغذّون بها، دون أن يقعوا في النّزعات المحلّيّة والقوميّة. أشار البابا فرنسيس في الرّسالة البابويّة العامّة ”كلّنا إخوة“ إلى هذا الطّريق: “ينبغي النّظر إلى البُعد العالميّ، الذي يحرّرنا من ضيق الأفق المنزليّ. فعندما لا تبقى الدّار عائلة، بل تصبح سياجًا أو زنزانة، يحرّرنا البُعد العالميّ لأنّه أشبه بالغاية النّهائية التي تجذبنا نحو الكمال. وفي الوقت نفسه، يجب أن نتبنّى بصدق البُعد المحليّ، لأنّه يمتلك شيئًا لا يملكه البُعد العالميّ: وهو أن نكون خميرة، وأن نثري، وأن نُطلِق آليّات التّعاون والتّكامل. لذلك، فإنّ الأخوّة الشّاملة والصّداقة الاجتماعيّة داخل كلّ مجتمع هما قطبان لا ينفصلان ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما” (142).
إنّه تحدٍّ ليس فقط للبنان، بل لكلّ المشرق: ماذا يجب أن نفعل حتّى لا يشعر الشّباب، بشكل خاصّ، بأنّهم مضطرّون إلى أن يتركوا أرضهم ويهاجروا؟ كيف نحثّهم على ألّا يبحثوا عن السّلام في مكان آخر، بل أن يجدوا الضّمانات ويصيروا روّادًا له في موطنهم الأصليّ؟ المسيحيّون والمسلمون، مع كلّ المكوِّنات الدّينيّة والمدنيّة في المجتمع اللبنانيّ، مدعوّون إلى أن يقوموا بدورهم في هذا الصّدد، ويلتزموا بتوعية المجتمع الدّوليّ.
في هذا السّياق، أودّ أن أشدّد على الدّور الأساسيّ للنّساء في التزامهنّ الدّؤوب والصّابر للحفاظ على السّلام وبنائه. لا ننسَ أنّ للنّساء قدرة خاصّة على صنع السّلام، لأنَّهُنَّ يُحسِنّ حفظ الرّوابط العميقة وتطويرها بالحياة وبين الأشخاص ومع الأماكن. إنّ مشاركتُهنَّ في الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة، وكذلك في حياة جماعاتهنّ الدّينيّة، آخذين بالحسبان الطّاقة الشّبابيّة التي لديهنّ، هي في العالم كلّه عنصر من عناصر التّجدّد الحقيقيّ. طوبى، إذًا، لفاعلات السّلام، وطوبى للشّباب الذين يبقون أو يعودون، لكي يبقى لبنان أرضًا نابضة بالحياة.
أختتم وأستلهم صفة أخرى ثمينة من تقليدكم العريق. أنتم شعب يحبّ الموسيقى، التي تتحوّل في أيّام الاحتفال إلى رقص ولغة للفرح والتّواصل. هذا الجانب من ثقافتكم يساعدنا لنفهم أنّ السّلام ليس مجرّد نتيجة جَهد بشريّ، مهما كان ضروريًّا، بل هو عطيّة من الله، تسكن أوّلًا قلوبنا. إنّه مثل حركة داخليّة تتدفّق إلى الخارج، تؤهِّلنا لأن نهتدي بأنغام تفوقنا، هي نغم المحبّة الإلهيّة. من يرقص يتقدّم بخطواتٍ خفيفة، من دون أن يدوس الأرض، ويجعل انسجامًا بين خطواته وخطوات الآخرين. هكذا هو السّلام: طريق يحرّكه الرّوح القدس، الذي يضع القلب في حالة إصغاء ويزيد انتباهه واحترامه للآخرين. لَيت هذا الشّوق إلى السّلام ينمو بينكم، الشّوق الذي ينبع من الله ويستطيع أن يغيِّر منذ اليوم طريقة نظركم إلى الآخرين، فتسكنوا معًا هذه الأرض، الأرض التي يحبّها الله حبًّا عميقًا ويستمرّ في مباركتها.
السّيّد الرّئيس، السُّلُطات المحترمين، أشكركم مرّة أخرى على حفاوة الاستقبال التي استقبلتمونا به. كونوا على ثقة بأنّكم في صلاتي وصلوات كلّ الكنيسة من أجل خدمتكم السّامية للخير العام.
إشارة إلى أن كرسيي الرئيس عون والبابا لاون، صنعا خصيصا للمناسبة مع شعار كل دولة عليهما. كما برز المسرح في خلال اللقاء الجامع، بتصميمه الذي احتوى على جبال لبنان البيضاء وأرزته الشامخة، وحمائم السلام التي ترفرف في السماء مع كتابة عبارة : طوبى لفاعلي السلام.
المغادرة
وفي ختام اللقاء، اصطحب الرئيس عون واللبنانية الاولى قداسة البابا الى البهو الداخلي للقصر الجمهوري، حيث صافح قداسته الرئيسين بري وسلام، قبل أن يودعه الرئيس عون واللبنانية الاولى عند مدخل القصر، ليغادر بعدها قداسته متوجهاً الى مقر اقامته في السفارة البابوية.
وعلى طول الطريق، تجمع المؤمنون لالقاء التحية على البابا الذي باركهم.


